سعيد حوي

1587

الأساس في التفسير

إذ ينظر إلى رحمة الأمهات بأطفالها في الخلائق الحية ويتملاها ويعجب لها ، وإلى رحمة القلوب البشرية بالطفولة والشيخوخة ، والضعف والمرض ؛ وبالأقرباء والأوداء والأصحاب ؛ وبرحمة الطير والوحش بعضها على بعض - ومنها ما يدعو إلى الدهش والعجب - ثم يرى أن هذا كله من فيض رحمة واحدة من رحمات اللّه سبحانه . . فهذا مما يقرب إلى إدراكه تصور هذه الرحمة الكبرى شيئا ما ! وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يني يعلّم أصحابه ويذكرهم بهذه الرحمة الكبرى . عن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال : قدم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بسبي . فإذا امرأة من السبي تسعى قد تحلّب ثديها ، إذ وجدت صبيا في السبي ، فأخذته فألزقته ببطنها فأرضعته . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم « أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ » . قلنا : لا واللّه وهي تقدر على ألا تطرحه . قال : « فاللّه تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها » . . ( أخرجه الشيخان ) . وكيف لا . وهذه المرأة إنما ترحم ولدها ، من فيض رحمة واحدة من رحمات اللّه الواسعة ؟ ومن تعليم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لأصحابه هذه الحقيقة القرآنية بهذا الأسلوب الموحي ، كان ينتقل بهم خطوة أخرى ، ليتخلقوا بخلق اللّه هذا في رحمته ، ليتراحموا فيما بينهم ، وليرحموا الأحياء جميعا ؛ ولتتذوق قلوبهم مذاق الرحمة وهم يتعاملون بها ، كما تذوقتها في معاملة اللّه لهم بها من قبل . عن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الراحمون يرحمهم اللّه تعالى . ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء » . . ( أخرجه أبو داود والترمذي ) . وعن جرير رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يرحم اللّه من لا يرحم الناس » . . . ( أخرجه الشيخان والترمذي ) . وفي رواية لأبي داود والترمذي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تنزع الرحمة إلا من شقي » . وعن أبي هريرة كذلك . قال : « قبّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم الحسن بن علي رضي اللّه عنهما وعنده الأقرع بن حابس . فقال الأقرع : إن لي عشرة من الولد ما قبّلت منهم أحدا ، فنظر إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال : « من لا يرحم لا يرحم » . . ( أخرجه الشيخان ) . ولم يكن صلّى اللّه عليه وسلّم يقف في تعليمه لأصحابه - رضوان اللّه عليهم - عند حدّ